ما بين السطور

وهم "النظام الغبي": خطورة السرديات الإعلامية في تقدير قدرات الخصم

وهم

خلال الأيام الماضية، ظهرت تفاصيل مرتبطة بالتحقيقات مع عدد من الشباب والفتيات في القضية المعروفة إعلاميًا باسم "جيل زد"، حيث أشار أحد المحامين المهتمين بالشأن والمتابعين له إلى أن الوصول إلى بعض الأشخاص المتهمين في هذه القضية قد تم عبر تفاصيل رقمية تبدو بسيطة، مثل عدم الانتباه إلى إعدادات الخصوصية الخاصة بالمجموعات أو قوائم المتابعين او حتى معرفة أن قوائم المنضمين لمجموعات الفيسبوك تكون متاحة غالبا لكل من يدخل على المجموعة.

ما حدث قد يكون نتيجة قدرة تقنية متقدمة سواء في المتابعة والرصد من قبل قوات الأمن المصرية، وقد يكون نتيجة أخطاء بشرية تم استغلالها بطرق تقليدية بسيطة أدت في النهاية الى ما حدث.

وبرأيي فإن السؤال الأهم لا يجب أن يكون حول كيفية حدوث هذا الأمر بل: لماذا افترض البعض أن حدوثه غير ممكن أصلًا؟ أو لم يفكر فيه البعض ؟ أو تجاهله مع خطورته؟

وهنا أريد أن أعود إلى فكرة سبق وطرحتها، وفي ملخصها أن بعض الأنظمة، خصوصًا في منطقة شمال إفريقيا لا تعرض او تستعرض دائمًا كامل قدراتها الأمنية والتقنية أمام الرأي العام بل تتعمد في بعض الاحيان إخفاء هذه القدرات، وتحاول أن تحافظ على صورة خارجية متوازنة لكنها لا تعكس بالضرورة مستوى الإمكانيات الحقيقة لهذه الأنظمة.


القوة ليست دائمًا فيما يتم عرضه

وفي عالم الأمن والاستخبارات، لا تكون القوة دائمًا في استعراض كل ما لديك بل أحيانًا يكون إخفاء جزء من هذه القدرات أكثر فاعلية وأهمية من الإعلان عنها.

لان الخصم الذي يعتقد أنه يتعامل مع جهاز محدود الإمكانيات قد يتصرف بدرجة أقل من الحذر والحيطة، وبالتالي يستخدم أدوات وأساليب لم يكن ليستخدمها لو كان يملك تقديرًا مختلفًا لقدرات الطرف المقابل.

ومع ذلك فإن هذا لا يعني أن كل نجاح أمني هو نتيجة خطة استخباراتية معقدة، ولا يعني أن كل خطأ يقع فيه الخصوم هو نتيجة فخ مسبق. لكنه يعني ويؤكد – برأيي - أن الصورة الذهنية التي يملكها كل طرف عن الطرف الآخر هي العنصر الاكثر تأثيرا في الصراع الدائر بينهما.


سردية "النظام الغبي"

وهنا تظهر خطورة إحدى أكثر السرديات انتشارًا في الخطاب الإعلامي والسياسي المصري – بل والعربي - المعارض، وهي تصوير النظام باعتباره متأخرًا تقنيًا وعاجزًا إداريًا، وغير قادر على فهم أدوات العصر ومواكبة التطور.

انتقاد النظام أو معارضته ليست هي المشكلة التي نتحدث عنها بل هي أمر طبيعي في أي صراع سياسي يستخدم الإعلام ضمن وسائل المعارضة لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا النقد إلى قناعة ثابتة بأن الخصم – الأنظمة في هذه الحالة - غير قادر على التطور أو التعلم أو استخدام الأدوات الحديثة، ولا يمكن استبعاد أن بعض الأنظمة قد تستفيد من استمرار هذه الصورة الذهنية، سواء عبر عدم تصحيحها أو عبر التعامل معها باعتبارها أقل ضررًا مما يعتقد البعض

وهذه الصورة قد تمنح أصحابها ومتابعيهم شعورًا عاما بالتفوق، لكنها في الوقت نفسه تتحول إلى نقطة ضعف وثغرة خطيرة؛ وهذا لأن القرارات حينها لا تُبنى على خصم حقيقي بل على خصم موجود في خيال هذه الفئة المعارضة ومحبيها.

وعندها قد تتحول هذه السردية من أداة تعبئة سياسية إلى عامل يضعف قدرة المعارضة على العمل الفعلي.


سوء تقدير الخصم

جرت العادة أنه في الصراعات السياسية والأمنية، لا يخسر الأشخاص دائمًا بسبب نقص في الأدوات والمعلومات حتى، بل أحيانًا بسبب سوء تقدير الطرف الآخر حتى لو توفرت المعلومات التي تساعد في معاجلة سوء التقدير لكن يتم تجاهلها إما بسذاجة أو بعدم تصديق.

وقد يكون الخصم فعلا لديه نقاط ضعف حقيقية، وقد يرتكب من الأخطاء الكثير، وقد يفشل في ملفات مختلفة. لكن تحويل هذه النقاط إلى صورة شاملة عن العجز الكامل هو خطأ استراتيجي.

فالشخص الذي يقتنع أن خصمه غير قادر على مراقبته أو فهم تحركاته الرقمية مثلا قد يقلل من مستوى الحذر، وحينها سيرتكب أخطاء كان يمكن تجنبها فقط لو أنه أعطى خصمه التقدير الكافي.

ولهذا فإن السؤال في قضية المجموعات الإلكترونية لا ينبغي أن يكون: كيف استطاعوا الوصول؟ بل لماذا افترض البعض أنهم لن يستطيعوا الوصول؟

وسردية التجاهل أو الإنكار لا تفيد بشكل عام رغم أنها السردية المتبعة.


قراءة الأحداث من خلال تفسير واحد

هذه المشكلة – سوء التقدير والقراءة - لا تتعلق فقط بالجانب الرقمي، بل تظهر أيضًا في طريقة قراءة الأحداث السياسية والاقتصادية والأمنية.

فمثلا عندما ظهرت قضية الطائرة المصرية في زامبيا وما ارتبط بها من أموال وذهب، ذهبت قطاعات من الخطاب المعارض مباشرة إلى تفسير واحد يرتبط بالفساد والتهريب ومازالت تؤكد عليه وتكرره.

ولا أنكر أنه هذا التفسير قد يكون تفسيرًا مطروحًا ومقبول وله أهمية وعليه شواهد ودلالات، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول أي حدث إلى نتيجة محسومة مسبقًا وتفسير واحد مما يغلق العقل أمام استيعاب نظريات أخرى وأفكار متناظرة.

في ادارة الدول توجد دائمًا ملفات تعمل في الخفاء بعيدًا عن العلن، سواء كانت تلك الملفات اقتصادية أو أمنية أو مرتبطة حتى بملف العلاقات الدولية وهناك احداث تقوم بها هذه الدول تكون في ظاهرها إن ظهرت شيء وفي باطنها أمور أخرى أكثر أهمية وخطورة قد ترتبط بملفات لا تظهر تفاصيلها للرأي العام ومع ذلك فإن وجود السرية لا يعني بالضرورة صحة كل تفسير، كما أن وجود الاتهام لا يعني أنه التفسير الوحيد الممكن لكل حدث.

وبالتالي فأن المشكلة ليست أبدا في اختيار تفسير معين، بل في رفض التفكير في احتمالات أخرى.


التحليل يبدأ من فهم الخصم لا من الرغبة في هزيمته

قد يكون من المريح نفسيًا للكثير الاعتقاد بأن الخصم ضعيف أو غبي أو متأخر، لأن هذه الصورة تمنح شعورًا بالثقة. لكن في الصراعات الطويلة تلك الراحة النفسية ليست معيارًا للنجاح بل طريق مؤكد للفشل.

وفهم الخصم لا يعني تأييده، كما أن الاعتراف بوجود قدرات لديه لا يعني بالتبعية تبرير أخطائه والاقتناع بأن الخصم قادر على فعل كل شيء دون امتلاك أدوات تقييم واقعية لا يؤدي إلا إلى قرارات خاطئة يتحمل أصحابها نتائجها.

التحليل الجيد يبدأ عندما ندرس الخصم كما هو، لا كما نرغب أن يكون.

وأكثر الأخطاء تكلفة في عالم الصراع السياسي ليست دائمًا أخطاء التنفيذ، بل أخطاء التقدير. ومن يخطئ في تقدير خصمه قد يكتشف متأخرًا أنه لم يكن يواجه الصورة التي رسمها في ذهنه، بل واقعًا أكثر تعقيدًا بكثير.


لقراءة أو تحميل الوثيقة

انقر لعرض أو تحميل المستند

عرض / تحميل
حمزه حسن
حمزه حسن

الكاتب

مبرمج مصري وسياسي متخصص في التحليل الأمني والاستراتيجي، مهتم بالنشاط الحقوقي ودعم منظمات حقوق الإنسان تقنيا

النشرة البريدية

اشترك لتصلك أحدث المقالات والأخبار