ما بين السطور

لماذا أصبح الحديث عن موت جماعة الإخوان مباحاً؟ قراءة في منشور الزعفراني

لماذا أصبح الحديث عن موت جماعة الإخوان مباحاً؟ قراءة في منشور الزعفراني

الخلاصات الرئيسية

  • دلالة التوقيت: لماذا كتب الزعفراني مقالته الآن؟
  • كيف تحولت اللائحة من "دستور" إلى "أداة صراع".
  • سيناريوهات المستقبل: (إعادة التوحيد، الاستنزاف، التيار الثالث).
  • المصير: القبر التاريخي بيد الأبناء.

قرأتُ المنشور الذي نشره الدكتور إبراهيم الزعفراني القيادي الإخواني السابق وعضو مجلس الشورى الأسبق، والذي كان له دور بارز في وضع الجماعة على خارطة مصر في مدينة الإسكندرية، وكانت مقالته بعنوان "اللائحة تتبدل لكن الأخوة لا تعوض"، وقد لمح فيها الدكتور الزعفراني وأكد على رؤيته السابقة للجماعة مع ضرورة أن تعلو قيم الإخوة على قيم بنود اللوائح الجامدة.

وقد انتظرتُ أكثر من أسبوع لأرى وأتابع التعليقات، والتي هي من قيادات كبرى سابقة أو حالية داخل الجماعة حتى أنظر فيما يقولون وأستمع لآرائهم والتي تساهم في خلق نظرة واقعية عن الواقع الحالي للجماعة من خلال ردود الأفعال على المنشور والتي تراوحت فيه المواقف من التأييد للرفض.

قد يبدو للوهلة الأولى أن هذا المنشور هو دعوة من الزعفراني لإعادة ترتيب أوراق الجماعة ومطالبة بإنهاء الخلاف والشقاق الذي حدث لها منذ الانقلاب العسكري وبلغ ذروته في 2021، لكن برأيي فإن هذا المنشور هو بمثابة مؤشر يدل على قرب وفاة الجماعة أو وصولها إلى مرحلة من المرض لا يمكن معها العلاج والشفاء حتى أصبح الحديث عن موتها علنا لا بأس به في وقت تعاني فيه الجماعة من تضييق أمني – وهو عكس أخلاقيات الدكتور السابقة والذي رفض ترك الجماعة في عهد مبارك وهي تحت التضييق الامني وتركها بعدما سقط نظام مبارك وأخذت الجماعة حريتها داخليا مما يؤكد على أن الدكتور إنما تكلم علنا لأنه غالبا قد رأي أن الأمر منهي.

لماذا الآن ؟

لمن يتابع الزعفراني يعلم أنه، ومنذ استقالته من الجماعة عام 2011 بعد ما يقارب من 45 عامًا قضاها عاملًا في تلك الجماعة، يؤكد بشكل تام أن الجماعة في طريقها إلى الاضمحلال بسبب مشاكلها الداخلية وضعف البنية التنظيمية الجديدة من الناحية الإدارية والتنظيمية والفكرية، ولهذا لا يعد منشوره الأخير شيئًا جديدًا أو مقالًا مختلفًا عما تنبأ به في 2011 والسنوات التي تلتها وقبل الانقلاب العسكري على الإخوان المسلمين في 2013.

لكني أرى أنه قد تكلم الآن بهذه الصيغة يأسًا من الإصلاح لا دعوة له، وتأكيدًا على أن الحالة التي وصلت إليها الجماعة أصبحت سرطانًا لا يمكن معالجته بعد أن تحول كل فرع من أفرع الجماعة سواء اللندني أو الإسطنبولي إلى مؤسسة كاملة لها دعمها المالي والتنظيمي والإعلامي، ولها مكاتبها الخاصة وقنواتها الخاصة وخطابها الخاص.

وبرأيي فإن هذه الحالة التي وصلت إليها أفرع الجماعة أوصلت الدكتور إلى اليقين بأن رأب الصدع لم يعد ممكنًا، حيث أضاعت الجماعة جوهرها بحثًا عن بنود اللائحة، وتمسكًا بقرارات كان من الأولى التوافق عليها داخليًا بدلًا من أن تتحول إلى وسيلة للصراع والشقاق، وتحولت الجماعة من أخوة تنظيمية إلى صراع على الموارد والسلطة والنفوذ.

مستقبل الجماعة بين النعي والتآكل

لا يخفى على أحد أن جماعة الإخوان، وعلى تنوع مشاربها، كانت فكرة أيديولوجية أكثر من كونها تنظيمًا جامعًا، ولهذا فإن غالبية من تركوا الجماعة لم يتركوها لخلاف عقدي، وإنما لخلافات في الرؤى السياسية أو فقه الواقع، ولهذا لا تجد في مقالاتهم أو بياناتهم خروجًا معيبًا عن أصول الجماعة، بعكس بعض القلة النادرة التي اختارت طريقًا معاكسًا ومضادًا.

ومن هذا المنطلق فإن قراءتي لما كتبه الدكتور إبراهيم الزعفراني هي أن الجماعة لم تعد تمر بمرحلة التآكل، وإنما هي حاليًا في مرحلة ما بعد الانهيار، خصوصًا في ظل انشطار الجماعة إلى مكونين يؤكدان أن الجماعة وفكرتها الأصلية فشلت في حسم الخلاف الداخلي الذي لم يكن يظهر للعلن طوال تاريخ الجماعة، وأصبحت لدينا أطراف تستمد شرعيتها من تفسيرها الخاص للائحة التي وصفها الزعفراني بالملغمة في منشوره.

وانطلاقًا من هذه النقطة سأحاول البحث في مصير الجماعة عبر سيناريوهات مختلفة تتراوح ما بين صدور بيان مؤكد غير قابل للطعن من قبل المرشد بديع من سجنه، وصولًا إلى سيناريو إنشاء تيار ثالث يقود الجماعة ويعمل على توحيدها مرة أخرى. وهذه السيناريوهات هي:

  • سيناريو إعادة التوحيد: وقد يكون هذا السيناريو هو الحل الأمثل للجماعة، إلا أنه يحمل في طياته خيارًا آخر وهو إعلان نهاية الجماعة بشكل نهائي إذا ما قوبل بالرفض من الأطراف المتنازعة، وهذا السيناريو يعتمد على استطاعة المرشد محمد بديع أن يسجل صوتية أو بيانًا مصورًا - غير قابل للطعن - يعطي فيه قرارات واضحة بخصوص الانقسام الحاصل في الجماعة، وقد يكون هذا هو الحل الوحيد الذي ينهي المشكلة القانونية لدى كل الأطراف، لكن من غير المرجح أن ينهي المشكلة الهيكلية والفجوة بين الأطراف المتنازعة، حيث إن القضية لم تعد حول "من هو المرشد"، وإنما انتقلت إلى كيف من المفترض أن تدار الجماعة بشكل عام – إلا أن يتم تفعيل بند الأخوة الذي تكلم عنه الدكتور الزعفراني – وإذا تم تفعيله حينها فالسؤال يكون لماذا لم يتم تفعيله قبلها؟.

وتدخل المرشد في هذه الحالة لن يحل معضلة اللائحة, إذ أن تغييرها قد يضع موقف المتمسكين بها حاليا في موضع شك والإبقاء عليها يضع الطرف اللندني في موضع شك، وبحسب تعليق الزعفراني فإن اللائحة هي "قميص عثمان" الذي تنازع عليه الطرفان وانقسمت بسببه الجماعة إما رفضًا لها أو إيمانًا راسخًا بها.


  • سيناريو الاستنزاف: وهو السيناريو الأكثر واقعية واحتمالية، حيث يستمر الطرفان في استنزاف موارد الجماعة وكوادرها في ظل الهجوم الإقليمي والدولي على الجماعة، مما يؤدي في النهاية إلى أن يستنزف كل طرف الآخر داخليًا، ويستنزفان خارجيًا، لتتحول الجماعة بعدها إلى مسألة تاريخية بدلًا من جماعة فعلية.


  • سيناريو ظهور تيار ثالث يقود الجماعة ويتبنى رؤية المنشقين عن الجماعة وأعضاء الجماعة المخالفين لحال الجماعة الآن، وهو خيار ضعيف سواء كان داخليًا في الجماعة أو خارجيًا، حيث إن الانتماء للجماعة مرة أخرى بعد الانشقاق يعد عودة إلى التضييق الأمني الدولي بدون فائدة تذكر، كما أن هذا الخيار يتطلب شجاعة من كل الأطراف سواء الداخلية التي تريد الإصلاح، والخارجية التي خرجت بسبب مشاكل في الإصلاح، كما أن الجماعة تاريخيًا لا تسمح بوجود تيار آخر لاعتمادها على ثقافة السمع والطاعة، وفكرة الخروج على القيادة الحالية تعتبر شقًا لعصا الطاعة وخروجًا عليها كما هو الحال حاليا حيث كل طرف أعلن أن الآخر لا يمثل الجماعة.

وتزداد الأمور سوءا في أن هذا التيار الثالث سيواجه هجومًا حادًا من الطرفين: جبهة محمود حسين وجبهة إبراهيم منير، إما تشكيكًا في أن التيار يخدم مصلحة طرف على حساب طرف، خصوصًا أنه سيُفقد الطرفين شرعيتهما، وهو أشبه بفكرة تيار التغيير الذي نشأ داخل الجماعة، ولم يعد كلا الطرفين يعتبره منها.


المصير؟

الأمر لا يتعلق بمنشور الدكتور الزعفراني فقط رغم ماله من أهمية في إعادة إحياء الجماعة في السبعينيات ولا هي رؤية مبنية على بعض تعليقات المعلقين على المنشور وإنما من قراءة تحليلية لسياق الأحداث والتوقيت.

ومن خلال ما سبق، وإذا لم يحدث تغيير جذري في معطيات الواقع، فإن الجماعة – كمسمى جامع وشامل بالشكل المعتاد- تبدو كمن يخنق نفسه بيده لا بيد عمرو، حيث إن سيناريو الاستنزاف هو الأقرب للاستمرار وهو الواقع الحالي وهذا السيناريو يخدم مصالح أطراف عدة مما يجعل إمكانية الحفاظ عليه مسألة ثمينة لصالح الجميع ماعدا الجماعة. فمن ناحية محلية، يخدم هذا السيناريو النظام المصري قديمه وحديثه في القضاء على الجماعة بعد مئة سنة من إنشائها، وإقليميًا ينتهي الخوف العربي من وجود تلك الجماعة التي تُعد في معظم المحيط العربي الجماعة الأكثر تنظيمًا سياسيًا واجتماعيًا والأكثر تهديدًا بشكل سياسي للعروش، ودوليًا حيث تُعتبر الجماعة عند معظم دول العالم منبعًا من منابع الثورة والنضال الإسلامي الذي لم يعد مرغوبًا فيه.


حمزه حسن
حمزه حسن

الكاتب

مبرمج مصري وسياسي متخصص في التحليل الأمني والاستراتيجي، مهتم بالنشاط الحقوقي ودعم منظمات حقوق الإنسان تقنيا

النشرة البريدية

اشترك لتصلك أحدث المقالات والأخبار