[email protected]
بين السطور

تحالف المضطرين

منذ 10 ساعات
39 المشاهدات
4 دقيقة/دقائق للقراءة
قرأت مقالا لأحد الكتاب السياسيين حول التحالف التركي المصري السعودي وعلاقته بلبنان وسوريا، ورغم أنني أتفق مع معظم ما كُتب في هذا المقال إلا أنني أرى المشهد من جانب آخر قد يقدم ​قراءة مختلفة أو مكملة بالمعنى الأدق للمشهد الإقليمي في 2026. وتتكون هذه القراءة من أربع محاور أساسية نناقشها سويا في هذه المقالة وهي :

أزمة الثقة

رغم التقارب الملحوظ في الإقليم بين مصر وتركيا والسعودية, لا بد من عدم اغفال الواقع السياسي لهذه الدول خلال العقد المنصرم، وبما أن السياسة يحركها الشك فإن هذا النوع من التقارب لا يمكن أن يكون بهذه الصورة الوردية التي تظهر في اللقاءات والصور، وعلى سبيل المثال : لا تزال القاهرة تنظر بريبة للتمدد التركي في سوريا وتخشى وترفض أن يتحول هذا النفوذ إلى احتلال دائم من وجهة نظر مصرية لأن ذلك سيصب في صالح قوة النفوذ التركي في المنطقة الذي تتصارع عليه مصر ودول الخليج وتركيا وإيران.
وبالمقابل، تخشى أنقرة من التقلبات في الموقف المصري أو السعودي والذي هو سمة الواقع السياسي آخرعشر سنوات, كما أن مصر تعد حليفا هاما لليونان والتي تمثل حجرة عثرة بالنسبة لتركيا في الجانب الأوروبي.
ولهذا يبدو لي أن هذا التحالف القلق هو زواج مصالح هشة قد ينهار عند أول خلاف على حصص الغاز في المتوسط أو تقاسم نفوذ في دمشق أو تقارب مصالح مع إسرائيل.

البراغماتية المتوحشة للسعودية

السعودية في عهد الأمير محمد بن سلمان وخصوصا منذ نهاية 2025 لم تعد تتحرك بدافع القومية أو الرومانسية الجغرافية، بل بلغة الأرقام الصرفة طبقا لرؤيتها الإفتصادية للمنطقة (Vision 2030) وبالتالي فإن وجدت الرياض أن استقرارها يقتضي التفاهم مع إسرائيل بعيداً عن تركيا ومصر، فستفعل.
كما أن الدعم المالي السعودي لم يعد شيكاً على بياض كما كان، بل هو أداة ضغط قاسية لإخضاع الجميع لرؤيتها الاقتصادية للمنطقة، مما قد يستمر في إبقاء حالة التوتر الصامت مع القاهرة التي لا تقبل التبعية, وبالنظر للوضع المالي السعودي الحالي وخصوصا في ظل الاستعداد لاستضافة كأس العالم 2034 لم يعد هناك مجالا للصرف خارج الدولة.

وهم الاستقرار في سوريا ولبنان

نأتي بعد ذلك إلى الافتراض بأن سوريا ولبنان أصبحتا أضلاعاً في مربع القوة العربية التركية والذي هو بالنسبة لي افتراض غير مكتمل حيث لم تنضج تلك الفكرة بعد، لكنها مع ذلك في طريقها للنضوج إذا استمرت الظروف الحالية على ماهي من تدخل مصري سعودي في لبنان لمحاولة الوصول إلى حل تمثل فيه مصر الجانب العقلاني (بالنسبة للحزب) والسعودية الجانب الإقتصادي والدعم الدولي (بالنسبة للحكومة). لكن الواقع الحالي هو أن هذه الدول مازالت تمثل ثقبا أسودا في المنطقة، إذ لم تستقر أحوالها بعد ومازالت تمثل هاجسا أمنيا للدول المحيطة ومنها مصر.
فالحكومة الانتقالية في سوريا مثلا لا تزال ضعيفة وهشة ولم يكتمل عقد قوتها بعد، ولبنان لا يزال مرتهناً لصراعات طائفية لا تحلها جغرافيا ولا تضاريس كما أن الإنتخابات النيابية القادمة ستكون محورا هاما في توضيح مآلات الحالة اللبنانية، وبقاء النظام الإيراني على شكله الحالي أيضا يمثل تحديا كبيرا إذا ما تمت إضافة العراق إليه.
ولهذا فإن الرهان على الشام كظهير لمصر في نظرية الهلال الخصيب ووادي النيل هو رهان مبكر على أرض محترقة لم تستعد عافيتها بعد.

اللاعب الإسرائيلي الذي يفسد الخطط دائما

إسرائيل أيضا ليست متفرجاً يراقب هذا التكامل الجغرافي، بل تعمل بنشاط استخباراتي لضرب هذا التقارب من الداخل وإن بدا أن الصراع الإسرائيلي الإيراني يصب في صالح المحور السني أعلاه.
إسرائيل وعبر وسطائها في المنطقة لا تزال تلعب على وتر التخويف من إيران لابتزاز دول المربع، كما أنها تستخدم ملفات ملتهبة (مثل سد النهضة أو دعم الميليشيات في السودان وليبيا وسوريا) لتبقى مصر وتركيا مشغولتان بحدودهما الأخرى، مما يضعف ويبطىء تشكل هذا الحلف عملياً.

الخلاصة

في الواقع، يبدو أن المنطقة في سباق مع الزمن من أجل الوصول إلى نقطة لقاء محتملة يمكن البناء عليها، لكن تغير مزاج الأنظمة السياسية لهذه الدول واقتراب موعد الانتخابات في بعضها قد يكون سببا هاما يقلل من فرص نجاح هذا التحالف، كما أن القوة الأمريكية المهيمنة تلعب دورا في تحديد المقبول والمرفوض ضمن هذا التحالف.
​التقارب الحالي في 2026 ليس صحوة قومية أو دينية، بل هو تحالف المضطرين ولا أقول أن هذا التحالف ولد ميتا أو ولد ليفشل، لكنه معتمد على استمرار الوضع السيء في المنطقة كما هو (حالة الضبابية والتوتر) ، ويراهن على استقرار المزاج السياسي للحلفاء (القادة).
الجميع خائف من الجميع، والجميع يتحالف ضد عدو مشترك (إسرائيل أو الانهيار الاقتصادي)، لكن مع إبقاء خنجر خلف الظهر تحسباً لأي غدر من الحليف قبل العدو.
حمزه حسن

مبرمج مصري وسياسي متخصص في التحليل الأمني والاستراتيجي، مهتم بالنشاط الحقوقي ودعم منظمات حقوق الإنسان تقنيا