في الأيام الأخيرة، تصدر تطبيق Upscrolled المشهد كبديل واعد للمنصات التي تمارس تضييقاً ممنهجاً ضد الرواية العربية والإسلامية، خاصة في القضايا المتعلقة بالاحتلال والمقدسات. ولكن، سرعان ما تحول الحماس إلى ريبة بمجرد ظهور مؤشرات تربط إدارة التطبيق بجغرافيات سياسية معينة.وبعيداً عن الجدل حول هوية الأشخاص أو تلك المناطق، يبرز سؤال أعمق: هل يستطيع أي تطبيق عربي، تقنياً وقانونياً، أن يمنح العرب أو الباحثين عن حرية التعبير في الفضاء الإلكتروني الحرية التي ينشدوها؟
يعتقد الكثيرون أن امتلاك تطبيق يعني امتلاك القرار، لكن الحقيقة أن التطبيقات تعيش فوق أرض غيرها ومجرد وجود التطبيق على الإنترنت لا يعني أنه خارج نطاق السيطرة وهذا يعني أن تلك التطبيقات مرهونة للعديد من الأمور التي تتحكم فيها مثل :
- رحمة الشركات الكبرى:حتى لو كان المبرمج عربياً، فإن التطبيق يحتاج لخدمات سحابية (مثل Amazon AWS أو Google Cloud أو Microsoft Azure) أو غيرها من خدمات الكلاود والإستضافات. وهذه الشركات – صاحبة تلك الخدمات - ملزمة بقوانين دولية واتفاقيات أمنية؛ فإذا قررت هذه الشركات أن المحتوى المنشور يخالف معاييرها، فإن أبسط شيء يمكنها عمله هو إغلاق السيرفرات بالكامل، ليختفي التطبيق في لحظة.
- الجغرافيا السياسية للسيرفرات: لنفترض أن الشركات الكبرى قررت التغاضي عن المحتوى المنشور فإن الجغرافيا ومكان السيرفر يفرض قيودا جديدة عليها وهي الأخطر, فإذا وضعت التطبيق على سيرفرات في الغرب، فهي تخضع لقوانينهم. وإذا وضعت التطبيق في المنطقة العربية، فإنها تصبح تحت السيطرة المباشرة لأنظمة لا تعترف بخصوصية البيانات أو حرية الرأي، مما يجعل بيانات المستخدمين "كتاباً مفتوحاً" للأجهزة الأمنية دون أي عوائق قانونية دولية.
الحرية على الفضاء الإلكتروني لا تتوقف عند كتابة المنشور، بل عند القدرة على إيصاله للناس. وأي تطبيق يريد الانتشار يجب أن يتواجد على منصات مثل App Store و Google Play. وهذه المتاجر تفرض شروطاً صارمة حول "خطاب الكراهية" (الذي يُفسر غالباً وفق الأجندة الغربية). وأي تطبيق يرفض حذف محتوى تعتبره هذه المتاجر "مخالفاً" سيتم حذفه من المتجر، مما يعني موت التطبيق إكلينيكياً والتوقف عن الوصول إلى عدد كبير من المستخدمين في العالم.
وحتى لا نذهب بعيدا فإن قصة مؤسس تليجرام، بافل دوروف، وما حدث له في فرنسا، هي أكبر دليل على أن "الأشخاص" هم الحلقة الأضعف، وهنا برأيي سينتهي نقاش الشخص وجنسيته قبل أن يبدأ.
ومهما كان التشفير قوياً، يظل صاحب التطبيق بشراً يمكن ملاحقته والضغط عليه، أو حتى اعتقاله، وعندما يوضع مالك التطبيق بين خيارين: السجن أو تسليم مفاتيح التشفير، فإن الغلبة تكون دائماً لمن يملك سلطة الأرض. وهذا يعني أن أي تطبيق له "رأس" معروف، هو تطبيق يمكن كسر إرادته بسهولة.
يجب أن ندرك أن الإنترنت الذي نستخدمه يومياً (Surface Web) هو نظام مركزي بطبعه. والحرية المطلقة التي لا تخضع للرقابة لا يمكن أن تتحقق في بيئة تسيطر عليها الأسلاك، الأقمار الصناعية، والمتاجر التابعة للقوى العظمى ولهذا فإن البدائل صعبة وغير مجدية على المدى الطويل والمتوسط.
الحل الوحيد تقنياً للهروب من الأجندات المفروضة هو التوجه نحو الأنظمة اللامركزية، حيث التشفير من طرف لآخر (P2P)، واستخدام تقنيات "الويب المظلم" أو "الكريبتو" في التواصل وعدم مركزية السيرفرات، لكن حتى هذا البديل يحتوي على تحديات عديدة وصعبة منها أن هذه الحلول معقدة تقنياً للنخبة، فما بالك بعامة الشعوب؟ كما أنها تجعل المستخدم دائماً في دائرة الاستهداف الأمني بتهمة استخدام برامج "مشبوهة".
إن الهروب من "تويتر - إكس" أو "فيس بوك"إلى تطبيق آخر لمجرد أن صاحبه عربي هو حل عاطفي أكثر منه استراتيجي. وما لم يمتلك العرب بنية تحتية رقمية (سيرفرات، أنظمة تشغيل، ومتاجر تطبيقات) مستقلة تماماً عن النظام العالمي وبإرادة الحكومات العربية، سيظل كل تطبيق جديد مجرد "غرفة مستأجرة" في مبنى يمتلكه خصومهم، يطردونهم منها متى شاؤوا، أو يتصنتوا عليهم متى أرادوا.
مبرمج مصري وسياسي متخصص في التحليل الأمني والاستراتيجي، مهتم بالنشاط الحقوقي ودعم منظمات حقوق الإنسان تقنيا