منذ الربيع العربي بدا أن المنطقة العربية تدخل مرحلة انتقالية غير مسبوقة، تشبه في ملامحها ما عاشته منتصف القرن العشرين. الثورات التي اندلعت في تونس ومصر وسوريا وليبيا أوحت بأن الأنظمة التقليدية التي استمرت لعقود تواجه مأزقًا وجوديًا حقيقيًا، وأن البدائل الإسلامية السنية صارت الخيار الأقوى وصاحبة الفرصة الأكبر للوصول إلى الحكم. بل إن هذه القوى ظهرت في نظر كثيرين باعتبارها الأكثر تنظيمًا والأقدر على تقديم نموذج جديد لإدارة الدولة. غير أن السنوات التالية أثبتت أن تلك اللحظة التاريخية كانت قصيرة للغاية، وأن الآمال التي انعقدت عليها الشعوب وأنصار التغيير تحولت سريعًا إلى خيبات. فالتجارب الإسلامية أُجهضت عمدًا قبل أن تكتمل، والأنظمة العسكرية والأمنية غرقت في دماء شعوبها، وفقدت ما تبقى لها من شرعية داخلية، لتجد نفسها أكثر اعتمادًا على الغطاء الدولي. وهنا تحديدًا دخلت إسرائيل، لا كلاعب ثانوي، بل كأحد أبرز المستفيدين المباشرين، إذ وجدت في هذا المشهد المضطرب فرصة لتعزيز أمنها وتحقيق مكاسب استراتيجية غير مسبوقة.
تشكل الحالة المصرية أوضح مثال على ما سبق. فالإخوان المسلمون الذين وصلوا إلى السلطة عبر انتخابات 2012 لم تتح لهم أي فرصة لبناء مؤسسات مستقرة أو فرض رؤية متماسكة للحكم. خلال عام واحد فقط، وجد الرئيس محمد مرسي نفسه في مواجهة تحالف صلب من الجيش والأجهزة الأمنية والإعلام، مدعومًا بغطاء خليجي سخي. وقد عمل هذا التحالف بشكل منهجي على إضعافه وتشويه صورته، حتى صارت العبارة الشهيرة في أقسام الشرطة آنذاك: "نحن في إجازة لمدة أربع سنوات"، إشارة إلى تعطيل العمل انتظارًا لانتهاء فترة مرسي. لم ينتظروا تلك السنوات، بل أطاح به وزير دفاعه عبد الفتاح السيسي بانقلاب عسكري في يوليو 2013.
ذلك الانقلاب لم يكن مجرد تبدل في المشهد الداخلي، بل كان نقطة تحول إقليمي كبرى. فمن ناحية، أُجهضت تجربة كان يمكن أن تعيد النظر في اتفاقية كامب ديفيد، أو على الأقل تستخدمها كورقة ضغط سياسية على إسرائيل، كما ظهر خلال عملية "عمود السحاب" في غزة أواخر 2012 حين زار وفد مصري حكومي القطاع في ذروة العدوان، ما دفع تل أبيب إلى وقف عملياتها مؤقتًا. إسرائيل أدركت آنذاك أن وجود حكومة مصرية بمرجعية إسلامية قد يعيد فتح ملف السلام على الساحة الشعبية.
ومن ناحية أخرى، وجد الجيش المصري نفسه وقد تورط في قمع دموي واسع، مثل مجزرة رابعة العدوية، ما أفقده أي شرعية أخلاقية أو سياسية، وعرّضه لانتقادات وضغوط دولية متزايدة. هذا الوضع دفعه للبحث عن غطاء خارجي يضمن إعادة دمجه دوليًا، وهنا لعبت إسرائيل دورًا محوريًا، إذ ساهمت في تسهيل عودة العلاقات بين القاهرة وواشنطن، وقدمت نفسها كضامن لبقاء النظام الجديد.
ثم جاء التطور الأبرز: التنسيق الأمني غير المسبوق في سيناء. فقد اعترف الرئيس السيسي نفسه بوجود تعاون وثيق مع إسرائيل في مواجهة الجماعات المسلحة، وأشارت تقارير متعددة إلى أن الطائرات الإسرائيلية نفذت غارات داخل الأراضي المصرية بموافقة رسمية. مثل هذا التعاون الأمني يتجاوز كل ما كان مطروحًا في العقود السابقة، ويؤكد أن العلاقة بين القاهرة وتل أبيب لم تعد مجرد سلام بارد، بل شراكة عملية على الأرض.
بالتوازي، ضخت الإمارات مليارات الدولارات دعمًا للنظام الجديد، وهو نفوذ شكّل عمليًا قناة تأثير إسرائيلية غير مباشرة على القرار المصري. وهكذا، استُغلت لحظة وجود حزب إسلامي سني على رأس الحكم لتبرير الانقلاب، وإدخال الجيش في دائرة الارتهان، فيما خرجت إسرائيل الرابح الأكبر: خصم محتمل تمت إزاحته، وجيش ضخم جرى تحييده وتحويله إلى شريك.
إذا كانت مصر تمثل حالة "التحييد"، فإن سوريا تقدم نموذج "التفكيك الكامل". النظام السوري الذي طالما قدم نفسه كقلعة الممانعة واجه ثورة شعبية واسعة منذ 2011، تحولت بسرعة إلى حرب إقليمية ودولية معقدة. ومع سقوط بشار الأسد في نهاية 2024، وجدت إسرائيل أمامها ساحة فارغة أمنيًا تتنازعها القوى الخارجية، لتصبح اللاعب الأكثر حرية فيها.
فقد شنت إسرائيل منذ ذلك الوقت مئات الغارات الجوية التي استهدفت منظومات الدفاع الجوي ومخازن الأسلحة ومعامل البحوث العسكرية، وأصبح تدمير ما تبقى من البنية الدفاعية السورية سياسة دائمة، تضمن لها تفوقًا استراتيجيًا طويل الأمد. وفي الجنوب، فرضت أمرًا واقعًا بعد الانسحاب الروسي والإيراني، فوسعت نفوذها حول الجولان وصولًا إلى السويداء ودرعا، حيث تحولت الأزمات الطائفية والمطالبات الدرزية إلى مداخل لتدخل إسرائيلي مباشر أو غير مباشر.
ومع صعود أحمد الشرع (المعروف سابقًا بأبو محمد الجولاني) إلى رأس السلطة في دمشق بخلفيته الجهادية السنية، ازدادت هشاشة الموقف السوري دوليًا. هذه الخلفية جعلت من السهل التشكيك بشرعيته، وأجبرته على تقديم تنازلات ضمنية لإسرائيل لضمان بقائه. وهكذا تحولت سوريا من دولة مركزية تعتبرها تل أبيب تهديدًا إلى فسيفساء هشة لا تشكل أي خطر استراتيجي، بل فرصة مستمرة للتدخل الخارجي.
لم يكن العراق ولبنان بمنأى عن هذه التحولات، لكن السياق هناك اختلف. فالتغييرات السياسية العاصفة وقعت قبل الربيع العربي بسنوات. في العراق، أدى الغزو الأميركي 2003 إلى تفكيك الدولة وصعود قوى سنية متطرفة مثل "داعش"، بينما استفادت القوى الشيعية المدعومة من إيران من الفراغ، ما جعل بغداد أقرب إلى طهران منها إلى أي طرف آخر. هذا التحالف مع إيران وفر مظلة حماية حالت دون أن تقع الدولة العراقية في الفخ الإسرائيلي ذاته.
أما لبنان، فقد بقي أسير معادلة داخلية تحكمها قوة حزب الله ونفوذه، في ظل غياب قيادة سنية قوية. ومع أن الانهيار الاقتصادي والسياسي جعل الدولة ضعيفة، فإن وجود حزب الله وحليفه الإقليمي إيران منع إسرائيل من تحقيق استفادة مشابهة لما حدث في مصر وسوريا. بل إن ظهور "داعش" وممارساته الدموية ساهم في تحسين صورة تلك الفصائل الشيعية محليًا ودوليًا مقارنة بالفصائل السنية التي وجدت نفسها في موقع الدفاع المستمر عن شرعيتها.
من مصر إلى سوريا، يتكرر النمط ذاته: إسرائيل لم تستفد من الإسلاميين وحدهم، ولا من الأنظمة وحدها، بل من الاثنين معًا.
الإسلاميون أُفشلوا بسرعة، ولم يُسمح لهم بتقديم أي مشروع سياسي متماسك.
والأنظمة غرقت في الدماء، وفقدت كل غطاء أخلاقي، ما جعلها أكثر ارتهانًا لإسرائيل والغرب.
وبينهما عززت تل أبيب موقعها عبر جيوش محيدة أو مدمرة، وحدود أكثر أمنًا، ونفوذ سياسي واقتصادي عبر الخليج، وصورة محسّنة في المجتمع الدولي باعتبارها "الدولة المستقرة وسط بحر من الفوضى"، بل والدولة التي لا يمكن للدول العربية المجاورة أن تستقر إلا بالتماهي مع مصالحها.
مبرمج مصري وسياسي متخصص في التحليل الأمني والاستراتيجي، مهتم بالنشاط الحقوقي ودعم منظمات حقوق الإنسان تقنيا