بين السطور

الخطة الأميركية: من مواجهة فلسطينية – إسرائيلية إلى صراع عربي – عربي

11 أكتوبر 2025
318 المشاهدات
0 comments
5 min read

منذ اندلاع الحرب الأخيرة على غزة، وبعد الوصول إلى الهدنة الأخيرة التي نبتت من مقترح ترامب، تكررت في تصريحات القادة العسكريين والسياسيين في إسرائيل مقولات عن أن حماس قد انهزمت. خرج المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي العميد إيفي ديفرين ليؤكد أن الحركة فقدت قدرتها القتالية، بينما قدم الإعلام العبري، لا سيما تقارير ميدانية لمراسلين عسكريين، صورة مغايرة. فقد كتب هؤلاء منذ بداية الانسحاب أن مدينة غزة لم تُهزم، وأن وسط القطاع لم يسقط، بل إن كل انسحاب للجيش الإسرائيلي من موقع ما تبعته عودة سريعة لعناصر الحركة. وأبدى بعضهم استياءهم من الصور التي تظهر انسحاب الجنود، مؤكدين أن ما يجري هو إعادة تموضع أكثر منه انتصارًا.

هذا التناقض بين الخطاب العسكري والواقع الميداني كشف ومازال يكشف عن مأزق إسرائيل التي لم تتمكن من القضاء على الحركة رغم القوة النارية الهائلة. وبسبب هذا المأزق تدخلت الوساطة الأميركية لتمنح كل طرف ما يمكن أن يسوّقه داخليًا وخارجيًا.

الوساطة الأميركية وصناعة الانتصار الوهمي

ما جرى في شرم الشيخ لم يكن مجرد مفاوضات على صفقة تبادل أو وقف لإطلاق النار، بل كان محاولة أميركية لإعادة صياغة المشهد السياسي في غزة وإعادة ترتيب الأوراق ومنح نتنياهو فرصة للتجهيز للانتخابات الداخلية. وقد وصف بعض المحللين الإسرائيليين ما فعلته واشنطن بالعبقرية، لأنها أخرجت صيغة تسمح للجميع بأن يعلنوا أنهم حققوا مكاسب، حتى وإن لم يتحقق نصر كامل لأي طرف.

إسرائيل حصلت على استمرار سيطرتها على نحو نصف مساحة القطاع عبر هذه الخطة، إضافة إلى شريط أمني يبعد مقاتلي حماس عن الحدود، وهو ما يتيح لحكومة نتنياهو القول إنها لم تجبر على الانسحاب الكامل. بينما حصلت الحركة على وقف إطلاق النار، وعلى ضمانات دولية تجعل استئناف الحرب صعبًا، بالإضافة إلى عودة المساعدات من أجل إعادة الإعمار واعتراف سياسي غير مسبوق بقدرتها على الصمود والمناورة. وبذلك يمكن لكل طرف أن يعود إلى جمهوره مدعيًا أنه قد حقق مكاسب.

غير أن هذا المشهد يخفي في عمقه هدفًا أميركيًا أوسع: إعادة توجيه الصراع من كونه مواجهة إسرائيلية – فلسطينية إلى مواجهة إقليمية داخلية عربية – عربية أو فلسطينية – فلسطينية.

العرب في قلب الخطة الأميركية

بحسب القناة 12 العبرية، فإن التحضيرات المصرية لعقد مؤتمر موسع للفصائل الفلسطينية لمناقشة مستقبل القطاع تُظهر أن العرب ليسوا مجرد وسطاء في هذا الاتفاق، بل شركاء مباشرين في صياغة "اليوم التالي" لغزة. وقد نقلت تقارير إسرائيلية تصريحات لوزير الخارجية المصري عبد العاطي تفيد بضرورة أن تضع الحركة سلاحها. كما أشارت هذه التقارير إلى استعداد بعض الدول العربية للمشاركة في قوة حاكمة بديلة تكون السلطة الفلسطينية واجهتها السياسية، بينما يتحمل العرب وتركيا وبعض الدول الأخرى العبء التنفيذي.

هذه الصيغة تعني أن إسرائيل قد تتراجع خطوة إلى الوراء، لكنها لن تترك المسرح فارغًا، بل ستسلمه إلى أنظمة عربية لتدير غزة وتواجه الحركة وتتحمل مسؤولية الأمن وإعادة الإعمار. وبهذا، تتخلص تل أبيب من الاستنزاف المباشر، فيما يجد العرب أنفسهم في قلب معركة معقدة.

من فلسطيني – إسرائيلي إلى عربي – عربي

جوهر التحول الذي تسعى إليه واشنطن من خلال مبادرة ترامب هي تحويل تلك المواجهة مع إسرائيل إلى مواجهة داخلية تقوم فيها الدول العربية مع تركيا بالدور المطلوب من ناحية إنهاء تواجد الحركة،  فالمواجهة التي فشلت إسرائيل في حسمها عسكريا يجري إعادة تدويرها لتصبح مواجهة عربية – عربية. فإذا رفضت حمـ..ـاس التنازل عن سلاحها أو الخضوع لسلطة جديدة مفروضة من الخارج، ستجد نفسها في مواجهة مباشرة مع قوى عربية. وعندها، لن ينظر إلى الصراع بوصفه معركة تحرر وطني ضد الاحتلال، بل سيقدم باعتباره نزاعًا داخليًا على السلطة، أو صراعا بين "شرعية فلسطينية" مدعومة عربيًا و"حركة مسلحة" رافضة للتسوية مثل تلك الصراعات الدائرة في الدول العربية منذ الربيع العربي ضد الإسلاميين.

وبهذا الشكل، تتحقق الرؤية الأميركية بأنه على إسرائيل أن تستريح بينما يتم حصار حمـ…ـاس سياسيًا وأمنيًا، والعرب هم من سيتولون مهمة المواجهة نيابة عن الاحتلال. إنها صيغة تحمل في ظاهرها ملامح الاستقرار، لكنها في حقيقتها إعادة إنتاج للدور العربي المعتاد بأدوات جديدة.

التحول في ثوب جديد

منذ اليوم الأول ومنذ إعلان مصر عن التطبيع مع إسرائيل بعد حرب أكتوبر لم تعد المشاركة العربية في الملف الفلسطيني مجرد وساطة أو دعم دبلوماسي لصالح فلسطين، بل أدت كل القرارات التي جائت منذ ذلك التاريخ وربما قبله إلى تقليص دولة فلسطين إلى أقل مساحة ممكنة مع إضعافها واضعاف الحركات المقاومة فيها بحسب ما يراه المحللون، والتحركات الحالية والجارية تعني أن بعض الأنظمة العربية والإسلامية - بين معقوفتين - تستعد للانخراط في إدارة غزة وضبطها، وهو الدور الذي عجزت إسرائيل عن حسمه عسكريا.

سوف يتم التسويق لهذه الخطوات تحت عناوين مثل "الاستقرار" و"إعادة الإعمار"، لكن جوهرها قد يقود إلى المزيد من إضعاف مشروع المقاومة الفلسطينية وإعادة صياغة المشهد بما يضمن أمن إسرائيل.

الإعلام العبري يكشف الخلفيات

إن ما يُقال ليس استنتاجًا عربيًا فقط، بل تؤكده الصحافة الإسرائيلية حيث أشار محللون في هآرتس ويديعوت أحرونوت إلى أن الخطة الأميركية تهدف إلى تشكيل قوة بديلة لإدارة غزة بمشاركة عربية، في إطار إعادة توزيع أدوار الصراع بطريقة تخدم إسرائيل وتُريحها من الاستنزاف المباشر.

المستقبل المجهول

وهكذا قد تتحول المعركة من مواجهة مع الاحتلال إلى نزاع داخلي عربي – فلسطيني. إسرائيل تُخرج نفسها من قلب المواجهة وتعيد فيه رسم شكلها الإعلامي الخارجي الذي تدهور منذ بدء الحرب، وحمـ..ـاس تُحاصر سياسيًا وأمنيًا، فيما يُزج بالعرب في صراع جديد يخدم الرؤية الإعلامية الإسرائيلية في بيان أن المقاومة هي شكل من أشكال الإرهاب وأنها تقاتل حتى الحكومات الإقليمية التي جاءت لها بمبادرات ووقف إطلاق نار لم تكن تحلم به. 

المبادرة قد تُقدَّم كخطوة نحو الاستقرار في المنطقة، لكنها عمليًا تفتح الباب أمام أزمة مختلفة، تُعيد تعريف طبيعة الصراع في المنطقة.

الوسوم
ترامب، المبادرة، إسرائيل