"رغم تكهنات الشارع عن احتمال تحرره من قبضة الرئاسة، إلا أن مساره الأمني منذ 2013 وحتى تعيينه في 2024 يكشف أنه رجل وُجد ليحمي النظام لا ليخالفه."
في هذه المرحلة الصعبة التي تمر بها المنطقة العربية، بدأت الأصوات تتعالى بالحديث حول المعارك المتوقعة بغض النظر عن أطرافها، ولهذا أرى أنه من المهم إلقاء نظرة على الشخصية التي يظن فيها الكثيرون بأنها من أهم الشخصيات في هذه المرحلة وهي شخصية وزير الدفاع المصري عبد المجيد صقر.
فمنذ أن أدى الفريق أول عبد المجيد صقر اليمين الدستورية وزيرًا للدفاع أمام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في الثالث من يوليو 2024، لم يتوقف الجدل حول طبيعة وملابسات اختيار هذا الرجل في ظل لحظات حاسمة تمر بها المنطقة في ظل الحرب الإسرائيلية غير المسبوقة على غزة وتداعياتها على المنطقة وتوسع دائرة الصراع وصولا الى لبنان وسوريا واليمن.
فهل كان اختيار عبد المجيد صقر لأنه قائد عسكري قادر على اتخاذ قرارات مستقلة إذا اشتدت الأزمات؟ أم لأنه مجرد منفذ أمين لخطط زعيم النظام في مصر عبد الفتاح السيسي، وهل صعد إلى القمة بعدما كان محافظا لمحافظة السويس بفضل ولائه الكامل وصرامته الأمنية أم لقوة شخصيته؟
ولد صقر عام 1955 وتخرج من الكلية الحربية عام 1977 وهذا يعني أنه كان طالبا في التاسعة عشر من عمره حينما قامت حرب أكتوبر 1973 مما يدل على عدم مشاركته في معارك أو حروب إقليمية كبرى ، حيث تركزت خبرته في السلاح والمدفعية، ثم عبر المناصب التعليمية والإدارية في السلك العسكري وجاءت على النحو التالي:
مدير معهد المدفعية ثم نائب مدير إدارة التجنيد ثم مدير شؤون العاملين المدنيين ثم نائب مدير الكلية الحربية، ومدير كلية القادة والأركان.
لكن اللحظة الفاصلة في مسيرته جاءت حين تولى إدارة الشرطة العسكرية بعد 2013 في خضم الحالة الأمنية المتوترة في مصر إثر الانقلاب العسكري الذي قام به عبد الفتاح السيسي.
بعد إطاحة الجيش بالرئيس محمد مرسي في يوليو 2013، تحولت الشرطة العسكرية من جهاز انضباط داخلي إلى ذراع أساسية في معادلة “الثورة المضادة” حيث شاركت بقوة في تأمين المنشآت وملاحقة المطلوبين، وفرض السيطرة الميدانية بالتنسيق مع الداخلية والمخابرات. توثق تقارير معهد الدوحة والجزيرة – لُبّاب أن الشرطة العسكرية كانت حاضرة في عمليات القمع واسعة النطاق خلال هذه الفترة المصيرية في مصر، بما فيها فض الاعتصامات وملاحقة الإسلاميين.
لم يكن عبد المجيد صقر حينها مديرا للشرطة العسكرية لكنه كان في مكان أكثر أهمية وهو الحرس الجمهوري الذي ساهم بشدة في الإطاحة بالرئيس المنتخب محمد مرسي ويبدو أن نجاحه في دوره حينها أهله إلى أن يعينه السيسي بعد كمدير لإدارة الشرطة العسكرية، هذه الثقة التي وضعها عبد الفتاح السيسي في عبد المجيد صقر خلال هذه المرحلة وتسليمه إدارة الشرطة العسكرية كانت امتحانًا آخر للولاء أكثر من كونها اختبارًا للقدرة القتالية كما يمكن القول بأنها كانت بمثابة شهادة تقدير لخدماته السابقة في الانقلاب العسكري.
وقد أثبت عبد المجيد صقر أنه مستعد لتنفيذ السياسات الأمنية لقادة النظام في مصر بلا تردد مع انضباط تام في تطبيق التعليمات حتى لو ارتبطت بملفات حساسة كفض الاحتجاجات أو ضبط الشارع الثوري وخصوصا الإسلاميين، هذا السجل الناصع في الإدارة العسكرية والطاعة التامة هو الذي رسخ صورته داخل النظام كرجل موثوق يمكن الاعتماد عليه، كما أنه لا يناور ولا يتردد في تنفيذ الأوامر.
بعد ذلك تم تعيين صقر مساعدا لوزير الدفاع ولكن في 2018 تم تعيين صقر محافظًا للسويس بعد أن تقاعد وخرج للمعاش بسبب سنه، السويس تلك المحافظة ذات التاريخ الثوري الطويل، فيها خضع صقر مرة أخرى لاختبار سياسي-أمني جديد ولكن هذه المرة بصفته الإدارية والتي تعود عليها خلال عمله في الجيش حيث تعامل مع ملفات هامة في المحافظة بأسلوب عسكري ومنها :
أنه قاد بنفسه حملات الإزالة، كما تابع مشاريع البنية التحتية بروح الانضباط العسكري لا بروح الإدارة المدنية، وعندما اندلعت احتجاجات سبتمبر 2019، واجهها بقبضة أمنية صارمة تأكيدا على ما قام به بعد الانقلاب العسكري وإعلانا جديدا للولاء المطلق لعبد الفتاح السيسي.
بقاء صقر ست سنوات في موقعه رغم حساسية المحافظة مؤشر واضح على نجاحه في أداء المطلوب منه، إذ فرض الانضباط والولاء، ومنع أي محاولة لتحويل السويس إلى مركز احتجاج جديد،وأبقى الأوضاع فيها تحت السيطرة.
لم يكن تعيين عبد المجيد صقر وزيرًا للدفاع في يوليو 2024 مجرد تعديل وزاري روتيني، بل كانت خطوة استثنائية تحمل في طياتها ملامح أزمة داخلية وخارجية، فحتى مساء الثاني من يوليو، كانت الصحف المصرية تُعلن تشكيل الحكومة الجديدة دون أن تتطرق إلى أي تغيير يطال اسم وزير الدفاع والذي كان حينها محمد زكي رفيق السيسي في الانقلاب وقائد الحرس الجمهوري. ولكن فجأة وفي اليوم التالي فقط أي يوم حلف القسم فوجئ الجميع بأن صقر، اللواء المتقاعد ومحافظ السويس، يؤدي اليمين الدستورية وزيرا للدفاع والإنتاج الحربي بعد ترقيته رتبتين في يوم واحد إلى فريق أول.
يبدو أن هذه السرية لم تكن مصادفة على الرغم من أن موقع وزارة الدفاع حذف سيرة محمد زكي، الوزير المقال، وسيرة رئيس الأركان أسامة عسكر في الليلة نفسها الأمر الذي عكس ارتباكًا واضحًا في إدارة التغيير وربما في أسبابه أيضا.
والأهم من ذلك أن استدعاء لواء متقاعد لتولي وزارة الدفاع يعد بمثابة قطيعة مع تقاليد المجلس العسكري المتعارف عليها وتجاوز للكثير من القادة الأقدم منه رتبة وخبرة في مشهد بدا كما لو أن السيسي يريد الإطاحة بقوة متحكمة في الجيش لا مجرد وزير ورئيس أركان.
تاريخيًا في مصر لا يتم اتخاذ مثل هذه الخطوة إلا في لحظات الأزمات الداخلية في النظام والخوف من الانقلابات أو عصيان قادة الجيش للقيادة السياسية، السادات فعل نفس الأمر حين اصطدم مع وزير الدفاع محمد صادق عام 1972 وجاء بالفريق أحمد إسماعيل لقيادة حرب أكتوبر، كما قام مبارك عام 1989 بالإطاحة بالمشير أبو غزالة الرجل القوي شعبيًا واستعان حينها بالمتقاعد يوسف صبري أبو طالب لتأمين موقعه وبقي فيه مدة قصيرة، وفي يوليو 2024، كرر السيسي المشهد نفسه باستدعاء صقر، ليصبح ثالث وزير دفاع متقاعد منذ السبعينات.
تقف خلف هذا المشهد النادر بعض الأبعاد المتشابكة منها:
في النهاية، فإن وجود صقر على رأس وزارة الدفاع وجه به السيسي ثلاث رسائل متوازية:
إلى الخارج: مصر ستبقى ملتزمة بالخط السياسي المعتاد سواء في غزة أو سيناء دون مفاجآت تزعج جارتها إسرائيل.
إلى الداخل: بأن أي موجة غضب أو تعاطف مع الفلسطينيين ستواجه بالأدوات نفسها التي مورست منذ 2013.
إلى الجيش نفسه: بأن زمن القادة المستقلين انتهى، وأن لعبة الكراسي ستظل السلاح الأساسي لإبقاء الجميع تحت السيطرة.
عبد المجيد صقر ليس بذاك العسكري الذي قد يفاجئ القيادة السياسية بقرارات مستقلة أو يدخل في صدامات معها وإنما هو رجل بنى مساره وحياته العسكرية على الولاء التام والانضباط المستمر، تم اختباره في 2013 ضمن الحرس الجمهوري تحت قيادة وزير الدفاع السابق وفي 2014 كمديرا للشرطة العسكرية في أوج الصدامات الحقيقية وفي 2019 مع الشارع الثوري، وعاد في 2024 ليكون وزير الدفاع في لحظة يخشى فيها النظام من أي محاولات قد تزعزع الداخل.
إنه رجل النظام بامتياز، ينفذ ولا يناور، وهو النموذج الأمثل لما يريده السيسي في هذه المرحلة الحرجة.
الجزيرة – لُبّاب. (2019). دور المؤسسة العسكرية في مصر بعد 2013: المحددات والمسارات:lubab.aljazeera.net
معهد الدوحة للسياسات. (2016). The Role of the Police in Egypt’s Counter-revolution:siyasatarabiya.dohainstitute.org
المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية (ECSS). (2022). القدرات الأمنية والعسكرية في مصر خلال 10 سنوات:marsad.ecss.com.eg
علامات أونلاين. (2024، 6 يوليو). لعبة كراسي أم شبح انقلاب: لماذا أطاح السيسي بوزير الدفاع ورئيس الأركان؟:https://alamatonline.com/لعبة-كراسي-أم-شبح-انقلاب
مبرمج مصري وسياسي متخصص في التحليل الأمني والاستراتيجي، مهتم بالنشاط الحقوقي ودعم منظمات حقوق الإنسان تقنيا