الأنظمة الدولية، بما فيها القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا والدول الأوروبية، ترفع شعارات الحرية والديمقراطية، لكنها في الواقع تنحاز دائمًا إلى مصالحها الخاصة، حتى لو كان الثمن دعم الأنظمة الاستبدادية أو التواطؤ مع القمع.
النظام العالمي قائم على المصالح الاقتصادية والسياسية، التي تتجاوز في الغالب القيم الإنسانية. فالدول الكبرى، سواء في الشرق أو الغرب، تحرص على استقرارٍ يخدم نفوذها واستراتيجياتها، حتى لو تحقق ذلك عبر أنظمة قمعية. بالنسبة لها، استقرار استبدادي أفضل من فوضى قد تهدد مصالحها.
النظام الدولي لا يخشى الاستبداد بقدر ما يخشى الحركات الشعبية التي تطالب بالحرية والمساواة. الديمقراطية الحقيقية والأنظمة اللامركزية قد تهدد معادلات الهيمنة الحالية، لذا تُفضّل هذه القوى التعامل مع أنظمة قوية حتى لو كانت قمعية، لأنها تضمن استمرار النفوذ والمصالح.
ليس جديدًا أن تسهم القوى العالمية في إعادة إنتاج الاستبداد بعد ثورات شعبية. فبدلًا من دعم التحولات الديمقراطية، تُعاد صياغة السلطة بما يحقق "الاستقرار" وفق احتياجاتها، على حساب تطلعات الشعوب للحرية.
هناك فجوة صارخة بين الخطاب والممارسة: القوى الكبرى ترفع شعارات الحرية لكنها تدعم الاستبداد على الأرض. هذه الازدواجية تكشف الوجه الحقيقي للنظام الدولي الذي يضع ميزان القوة فوق كل اعتبار إنساني.
الأنظمة المدعومة من القوى الكبرى غالبًا ما تمارس القتل الجماعي، التعذيب، الاعتقالات، والانتهاكات الوحشية. لكن المجتمع الدولي يتغاضى عنها لأنها تؤمّن مصالحه طويلة الأمد.
حتى حين ترتكب جرائم ضد الإنسانية، يبقى المجتمع الدولي صامتًا أو متواطئًا. فالدول التي تزعم الدفاع عن حقوق الإنسان غالبًا ما تتجاهل القمع إذا كان النظام المستبد يخدم مصالحها.
رغم قوة هذه المعادلات، يبقى الوعي الشعبي والحركات المستمرة مصدر الأمل الحقيقي. فالتاريخ يثبت أن إرادة الشعوب قادرة على كسر أعتى الأنظمة الاستبدادية، مهما طال الزمن.
الإعلام الحر والمنظمات الحقوقية والمجتمع المدني يمتلكون أدوات مهمة لفضح الانتهاكات. ورغم التضييق، فإن تراكم الضغط الداخلي والخارجي قد يسهم في كشف القمع والحد منه.
التغيير الحقيقي لن يأتي من قوى دولية طالما أن مصالحها مرتبطة بالاستبداد. التغيير يجب أن ينبع من الداخل، عبر بناء حركات مقاومة قادرة على فرض واقع جديد.
النظام الدولي لا يسعى إلى الحرية أو العدالة، بل إلى حماية مصالحه عبر دعم المستبدين. لكن الشعوب، برغم الثمن الباهظ، هي القادرة على صناعة التغيير. الطريق طويل وصعب، لكنه يمر عبر الوحدة والمقاومة الداخلية، من أجل بناء نظام عادل يحمي حقوق الإنسان ويضمن الحرية للجميع.
مبرمج مصري وسياسي متخصص في التحليل الأمني والاستراتيجي، مهتم بالنشاط الحقوقي ودعم منظمات حقوق الإنسان تقنيا