خلال الفترة الماضية انكببت على قراءة أطروحة حديثة لأحد الكتاب الإسلاميين المعاصرين لأكثر من مرة حتى أهضمها وأحاول أن أستخرج ما فيها - ما أتفق فيه أو أختلف، ولهذا فإن هذا المقال متعلق بأطروحة فكرية تسعى لتشخيص مأساة الأمة وحركات الإحياء فيها، كما أنها تحاول تقديم بدائل هيكلية وأطروحة بديلة للخروج من دائرة الإخفاق المتكرر بحسب ما تراءى لكاتبها.
ولست بصدد تسمية الكاتب أو أطروحته، حتى لا يصبح الأمر شخصيًا، وأيضًا لآخذ حريتي في النقد، ولذا سأكتفي في مقالتي هذه بنقد النظرية دون الخوض في الأسماء والتفاصيل، حيث أكن لكاتبها الاحترام مع الاختلاف.
بداية، وعند التأمل في المفاصل الكبرى لهذه الأطروحة، وجدت أنها لا تخرج في جوهرها عن كونها عملية "إعادة تدوير ودمج" لثلاث مدارس فكرية كلاسيكية معاصرة: أولها إرث الحركة الإسلامية (الحركية والسياسية) في التركيز على بناء الفرد المسلم (الطبيب، المهندس، المفكر) والتغلغل في المجتمع والدولة من خلالهم؛ وثانيها أدبيات السلفية العلمية المتمثلة في فقه "التصفية والتربية"؛ وثالثها خليط يمزج بين تفكيكات المفكر العربي جميل أكبر في كتابه "قص الحق" ونقد سلطة الدولة الحديثة على منوال كتابات "الدولة المستحيلة" لوائل حلاق، مع حفظ الألقاب.
وهذا برأيي يجعلنا أمام إعادة صياغة لشعارات قديمة بتأطير نظري معاصر، وربما عنوان جديد لأطروحة جديدة، لكنها في مجملها لم تأتِ بجديد في باب الطرح، وإن كانت رائعة في باب السرد والتأصيل التاريخي على طول المقدمة والتفاصيل.
وصف الأطروحة ومفاصلها الكبرى
تقوم النظرية المطروحة على تشخيص جذري لمأساة حركات الإحياء الإسلامي التي نشأت داخل سياق "التحديث الغربي" والاحتلال، معتبرةً إياها وقعت في فخ "الحركة البندولية المتناحرة"، مع تكرار في الصعود والهبوط دون تراكم حقيقي للنتائج أو الخبرات. كما تدعو الأطروحة إلى تجاوز صيغة "التنظيمات السرية الهوياتية" التي تصطدم بالدولة ويتم استئصالها غالبًا بعد التحكم فيها واستخدامها، مقترحةً بديلاً استراتيجيًا يقوم على "النخب المختصة والظواهر الاجتماعية والمؤسسات المستقلة".
وترتكز هذه الأطروحة على تخصص المميزين، وتشكيل المؤسسات الكفائية (كالتعليم والخدمات) بمعزل عن التنظيمات السرية والحزبية بالاعتماد على فكرة "التراكم المجتمعي الداخلي" والنَفَس الطويل في التربية والتعليم والتأهيل عبر الأجيال لإعادة إحياء الأمة من قاعدتها الاجتماعية، وكسب معركة الوعي بمعزل عن صخب الصدام السياسي المباشر مع السلطة.
وهم الانعتاق بالتجذر المجتمعي
تقوم النظرية محل النقد على فرضية أساسية مفادها: أن الحل يكمن في مفارقة "التنظيمات السرية والهرمية" والانعتاق عبر بناء "الجذر المجتمعي الداخلي" والنخب المختصة التي تدير مؤسسات الحياة اليومية والظواهر الاجتماعية.
غير أن هذه الفكرة تصطدم بصخرة الواقع المعاش؛ فالحديث عن بناء مجتمع مدني أو أهلي مستقل بمعزل عن هيمنة الدولة الحديثة يفتقر إلى الواقعية. وهذا لأن الدولة الحديثة الشمولية لا تترك فراغًا يمكن التحكم فيه، ولو تركته فإنها تعود إليه فور شعورها بتحركه أو بأهميته، مستحوذة على ما تم بناؤه أو مغيرة له، كما أنها تحتكر مفاصل العيش كافة (الأمن، المعيشة، الغذاء، الدواء)، وتستدرج أي حراك بشبكة من النفوذ والمادة والبطش.
ولهذا فإن محاكمة هذه الفكرة تكمن في السؤال: من يملك اليوم ترف "أن يحيا كأمة" في ظل سلطة أمنية ومؤسسية لا ترحم من يخالفها؟ إن محاولة بناء كتل مستقلة تعني -في نظر السلطة- إعلانًا للتمرد، وستجد هذه التكتلات نفسها مجبرة -اختياريًا أو جبريًا- على الانغلاق والتقوقع في قوالب هوياتية محددة يسهل رصدها وسحقها، وهو ما يعيد تلك النظرية إلى نفس النقطة التي حاولت الوقوف ضدها.
الوهم الاستراتيجي: التراكم الداخلي مقابل قبضة الخارج
ثم تراهن الأطروحة على مسألة "التراكم المجتمعي الداخلي" ونَفَس التربية الطويل عبر الأجيال، متجاهلةً الحقيقة الصلبة التي تؤكد أن القوة والنفوذ الخارجي والدولي هما من يتحكمان حقًا في مفاصل الصراع ويحددان من يبقى ومن يرحل.
وبرأيي فإن الرهان على الزمن والسنن الكونية بمعزل عن موازين القوة العالمية هو "رغائبية نظرية" جميلة على الورق، لكنها خالية من أدوات التنفيذ في أمة إسلامية محاربة من كل الأطراف، كما أنها تخضع لتفاعلات دولية وإقليمية تديرها قوى كبرى لا تريد أي استقلال حقيقي.
وعلى النقيض من التجربة الصهيونية -مثلًا- التي نجحت في التأسيس لأنها كانت تملك التحكم في المفاصل الدولية والمادية قبل المحلية، فإن الأمة الإسلامية اليوم تفتقر تمامًا لهذا التمكين الخارجي، مما يجعل أي محاولة للتراكم الداخلي الهادئ عرضة للفرم والاجتثاث مع كل تبدل في الرياح الدولية أو الإقليمية.
مفارقة التنظيمات السرية.. ضرورة مكروهة
تتفق الأطروحة مع النقد الموجه للتنظيمات السرية والهرمية باعتبارها سببًا في الصدام البندولي والاستئصال، لكنها تسقط في فخ إلغائها بالكامل.
والحقيقة الواقعية تخالف هذا الطرح؛ وبرغم ما يؤخذ على تلك التنظيمات السرية من مآخذ وعيوب، إلا أن وجودها -أو بالأحرى بقاءها كشبح أو كخصم خشن- يظل عاملًا حيويًا مهمًا لتحقق هذه الأطروحة -برأيي-؛ فهو الذي يشغل الطرف الآخر للأطروحة (السلطة والدولة) ويستنزف جهده، مما يتيح مساحة حركة "للطرف الأوسط" (الظواهر الاجتماعية والمجتمع).
وبالتالي فإن إلغاء التنظيمات كليًا يترك الساحة خالية تمامًا للدولة لتتفرغ لفرم المجتمع وجذره تدريجيًا بلا أي مصدات سياسية أو أمنية واقية.
مخاطر المراهنة على البديل المؤسسي والأجيال
ثم تذهب الأطروحة إلى المراهنة على "البديل المؤسسي المستقل" عبر الأجيال، وبرأيي فإن هذا الرهان هو رهان محفوف بالمخاطر؛ فالأجيال البشرية غير مستقرة، وكل جيل يأتي بأفكاره وطريقته ومزاجه، ولا يمكن ضمان استمرار "الخط التراكمي" بلا انحراف.
بل إن التجارب التاريخية تثبت أن أي تجمع أو ظاهرة اجتماعية تبدأ مفتوحة ومرنة، ما تلبث مع اشتداد الصراع وعدم القدرة على التحكم في مفاصل الخارج أن تتحول عاجلًا أو آجلًا إلى "تكتلات منغلقة" على نفسها، لتعود وتنتج ذات أزمة التنظيمات التي قامت لنقدها.
خاتمة
بالرغم من جودة الكتاب وعدد صفحاته وبراعة الكاتب في سرد الأحداث بطريقة تخدم تلك الفكرة التي يريد أن يقدم لها، تبدو هذه النظرية براقة ومبدعة جدًا في باب "السرد والتشخيص النظري"، وتنجح بجدارة في رصد عورات الماضي وفشل التنظيمات التقليدية. لكنها في باب "الطرح العملي والبديل" تفتقر -برأيي- إلى قابلية التنفيذ، وتتبنى في مجملها نفس المواقف التقليدية ولكن بتأطير وتغليف نظري جديد.
إن الركون إلى "الرغائبية النظرية" وتجاهل قبضة الدولة وسطوة النفوذ الخارجي لن يغير من مرارة الواقع شيئًا، بل يظل مجرد محاولة جديدة لإعادة قراءة المشهد بأدوات لا تقوى على مواجهة عواصف صراع القوة والنفوذ في عالم اليوم.
تنويه: هذا المقال قراءة نقدية وفكرية لأطروحة محل النقاش، ولا يمثل دعوة إلى العنف أو العمل المسلح، ولا تأييدًا أو ترويجًا لأي جماعة أو تنظيم سري أو ممارسة خارجة عن القانون. والإشارة إلى بعض التنظيمات أو مناقشة أدوارها تأتي في سياق تحليل الفكرة ونقدها، لا في سياق الدعوة إليها أو تبرير ممارساتها.