تواجه أوروبا في السنوات الأخيرة تحديات استراتيجية متزايدة، فبين مطرقة القلق والخوف من التوسع الروسي في الشرق، وسندان التهديدات الأمريكية المتكررة بالانسحاب من الناتو، والتهديدات الأمريكية بخصوص الاستيلاء على جزيرة غرينلاند، وجدت أوروبا نفسها أمام تحديات استراتيجية متزايدة تعيد طرح أسئلة حول أمنها ودورها الدولي، فهي قارة تعتمد بشكل كبير في أمنها على حليف متقلب كأمريكا، والتي جاءت بترامب لولايتين رئاسيتين في عشر سنوات، ترامب الذي لم يُخفِ غضبه من برود القادة الأوروبيين تجاه حربه الأخيرة ضد إيران ورفضهم الانخراط في حربه رغم إعلان الناتو أنه قد دعم أمريكا في هذه الحرب بما يمكنه، بعد جلسة عاصفة مع ترامب نالهم فيها من التوبيخ ما نالهم.
هذا الضغط الأمريكي، الممزوج بوعي أوروبي متأخر بضرورة الاعتماد على الذات، أدى إلى زيادة ملحوظة في ميزانيات التسليح والإنفاق الدفاعي، حيث بلغ الإنفاق الدفاعي لدول الاتحاد الأوروبي عام 2025 نحو 381 مليار يورو، بينما كان قبل الحرب الروسية الأوكرانية عام 2021 ما يقارب 251 مليار يورو، كما أن ضغط ترامب على دول الناتو أدى إلى إقرارهم بضرورة تخصيص خمسة بالمائة من الدخل القومي الخام للإنفاق على التسليح والدفاع، وهذه النسبة تعادل مبلغًا يقارب التريليون يورو.
ويطرح هذا السياق تساؤلات حول مصادر التمويل وأولويات الإنفاق الدفاعي في ظل أزمة ديموغرافية متزايدة.
في ظل تصاعد القلق حول مصير أوروبا، والأزمات الاقتصادية وكثرة عدد المهاجرين، بدأت تبرز في أوروبا ملامح صعود اليمين المتطرف، والذي لم يعد مجرد موجة شعبوية، بل أصبح يحظى بحضور سياسي متزايد في أوروبا، وشهدت بعض الدول الأوروبية صعودًا ملحوظًا للتيارات اليمينية.
فالحرب — كفكرة وممارسة — تحتاج إلى شحن قومي، وإلى جيوش تؤمن بنقاء القضية، وإلى شعوب مستعدة للتضحية بالرفاهية من أجل أمنها القومي، ما قد يسهّل تمرير سياسات تقشفية أو أمنية أكثر حساسية في بعض السياقات مثل بعض المسائل الحقوقية والإنسانية التي تخص المهاجرين دون معارضات داخلية شديدة.
بينما اليسار الليبرالي، بحديثه عن التعددية وحقوق المهاجرين، أصبح في نظر بعض دوائر صنع القرار أو النخب السياسية في أوروبا عائقًا أمام التحول إلى "اقتصاد الحرب" بالتأكيد أوروبا لا تحاول الوصول إلى هذا النوع من الإقتصادات لكنها في نفس التوقيت تحاول أن تبقى على مقربة منه في حال تغيرت الظروف في أوروبا الشرقية.
وعادت فكرة أن اليمين هو الأداة الوحيدة القادرة على تبرير اقتطاع ميزانيات الصحة والتعليم لصالح المدافع، وهو الأكثر قدرة على تحديد وتعريف العدو الداخلي في إطار بعيد عن الرومانسية الليبرالية.
قد لا تبدو الحرب على الأبواب، لكن إعداد وتجهيز الشعب يحتاج إلى وقت، كما تحتاج المصانع الحربية إلى زمن لتصل بالنتيجة التي ترغب فيها أوروبا من ناحية جاهزية السلاح.
حتى بعض الدول التي لم تتجه نحو اليمين أصبحت مضطرة في بعض الأحيان نتيجة التقارب الكبير في نتائج الإنتخابات إلى تنفيذ بعض أجندات اليمين وخصوصا في مسألة الهجرة والإسلام السياسي كما هو الحال في هولندا.
أوروبا، تلك القارة العجوز التي عزف أهلها عن الاهتمام بمسألة التعداد السكاني، أصبحت في السنوات الأخيرة وهي ذاهبة إلى أن تؤكد مسمى القارة العجوز بكل ما تحمله من معانٍ، ومنذ موجة اللجوء الكبرى في 2015، شهدت المرافق الأوروبية ضغطًا متزايدًا في بعض الدول، من مشافٍ ومصانع وخدمات لوجستية، بالعمالة الوافدة، وكان جزء كبير من هذه العمالة من خلفيات مسلمة – بالتأكيد هناك طوائف وديانات أخرى، لكن القلق الأوروبي من الإسلام هو ما يعنينا هنا.
وبينما كان المهاجر هو "عصب الحياة" الذي يملأ فراغ ضعف النمو السكاني الأوروبي، بدأت قوانين الهجرة منذ 2022 - بعد بداية الحرب الروسية الأوكرانية - تأخذ منحى متشددًا بشكل راديكالي.
وهنا تبرز المفارقة، فأوروبا التي تحتاج إلى جسد المهاجر من أجل أن تدير به مرافقها، تظهر في بعض الخطابات السياسية مخاوف متزايدة حول الهوية الدينية لهذا المهاجر. ومع تصاعد نبرة الإسلاموفوبيا في الخطاب السياسي الرسمي، لم يعد التمييز مجرد سلوك فردي، بل تحول إلى استراتيجية "فرز" تهدف لتحديد من يصلح ليكون "جزءًا من النسيج" ومن يظل "غريبًا تحت المراقبة".
كما أن الزيادة المضطرة في أعداد المهاجرين، وخصوصًا اللاجئين في أوروبا، والثغرات القانونية التي استغلها الكثير منهم مثل برامج العطالة والتدريب والاندماج، كلفت أوروبا المليارات من اليوروهات، ولا تزال، بينما الفوائد التي تعود عليها من هذه الفئة المهاجرة لا تقترب من قيمة المدفوع عليهم، وتبقى التكلفة الأمنية أكبر الهواجس بالنسبة لأوروبا.
ولفهم التوجه الأوروبي الأخير بحظر جماعة "الإخوان المسلمين" أو تصنيفها كإرهابية — كما حدث في هولندا ودول أخرى — لا بد ألا نغفل عن الدور الإقليمي لدول الخليج، وتحديدًا الإمارات ثم السعودية.
فبعد الربيع العربي، وبعد أن تأكد لحكام تلك الدول أن وجود الإسلاميين يهدد عروشهم وممالكهم، بعد أن فازوا في معظم الانتخابات التي جرت في البلاد التي نجحت فيها ثورات الربيع العربي، ودفع العواصم الغربية لمحاصرتهم، بدأت تلك الدول في بذل أقصى جهودها، ومعها دول أخرى مثل مصر، لشيطنة الإسلاميين، وخصوصًا التيار السياسي منهم، وإقناع العالم كله بضرورة التخلص منهم.
وعبر لغة المصالح والاستثمارات، وهي اللغة التي تفهمها أوروبا وتحتاج إليها في هذا التوقيت الحرج لتمويل الاقتصاد المتهالك والإنفاق الدفاعي، يبدو أن أوروبا قد قبلت المقايضة؛ فبدأت بعض الدول الأوروبية في إعادة تقييم بعض الجماعات التي كانت تُصنف سابقًا ضمن المجال السياسي أو الدعوي، بل وفي كثير من الأوقات كانت تُصنف كـ "شريك ديمقراطي"، بل ووصل الأمر بدولة مثل هولندا — التي كانت تصف ما حدث في مصر 2013 بالانقلاب — أن تتبنى اليوم السردية ذاتها، وتشرع، إذا ما تم الأمر، في التضييق على الوجود الإسلامي تحت لافتة "محاربة التطرف".
وساهم في تصعيد ذلك التوجه الأحداث التي بدأت منذ السابع من أكتوبر 2023، وما تلتها من حرب طاحنة شاركت فيها أمريكا وإسرائيل والخليج ضد إيران وحزب الله في لبنان وحماس في غزة.
وعلى الرغم من أن الإخوان المسلمين هم أقل التنظيمات الإسلامية راديكالية وتوجهًا للعنف، فقد طالتهم أيدي التصنيف، بينما وعلى النقيض فإن أوروبا التي تصنفهم هي التي دعمت واستقبلت أحمد الشرع، الزعيم الجهادي السوري السابق وقائد القاعدة السابق في سوريا، لعدة سنوات، وأقرت برئاسته لسوريا بعد سقوط بشار.
هذه المفارقة تفتح نقاشًا حول تعدد الأبعاد المؤثرة في هذه السياسات، وهل لهذه السياسات أبعاد أخرى غير محاربة التطرف، وهل يمكن النظر إلى أحد هذه الأبعاد في سياق العلاقة بين بعض هذه الجماعات والمسألة الفلسطينية الإسرائيلية – إذا ما حسبنا حماس كجزء من الإخوان – بالإضافة إلى سهولة وصولهم للحكم بانتخابات شعبية حقيقية، على عكس الفصائل الجهادية التي تنفر منها الشعوب، ومحاولة لوضع الإخوان جنبًا إلى جنب مع الجماعات الجهادية في الوعي الشعبي العالمي.
أمام هذا المشهد المعقد، وتلك الإجراءات المتصاعدة، تبرز أسئلة لا بد من مواجهتها:
هل يمكن اعتبار أن تصنيف الإخوان هدفًا نهائيًا أم جزءًا من مقاربة أمنية أوسع تسمح للدولة القومية بالدخول إلى أدق تفاصيل الوجود الإسلامي (مساجد، مدارس، تمويلات) لإعادة صياغته بما يتوافق مع ضرورات الأمن القومي؟
وفي ظل التوجه لزيادة الإنفاق العسكري والحاجة لولاء مطلق وقت الشدة، كيف ستتعامل أوروبا مع كتلة بشرية ضخمة ترى أن الدولة لا تثق في ولائها؟
وكيف يتفاعل المهاجر المسلم مع التحولات السياسية والأمنية الجارية؟
إن أوروبا تشهد اليوم إعادة صياغة لبعض سياساتها الداخلية قبل الخارجية في ظل تداخل ملفات الأمن والهجرة والسياسة الخارجية، ويظل السؤال المطروح ليس فقط ما تفعله الحكومات، بل حول مدى قدرة المهاجرين والتيارات الإسلامية على قراءة هذه التحولات."
مبرمج مصري وسياسي متخصص في التحليل الأمني والاستراتيجي، مهتم بالنشاط الحقوقي ودعم منظمات حقوق الإنسان تقنيا