بين السطور

تقدير موقف: عقيدة "تصفير المناطق الرمادية".. الاستراتيجية السعودية الجديدة لإعادة ضبط النفوذ في جنوب اليمن

منذ أسبوع
10 المشاهدات
0 comments
4 دقيقة/دقائق للقراءة

تشهد الساحة اليمنية، ولا سيما في الجنوب من البلاد، تحولا استراتيجيا لافتاً أعقب القصف الجوي السعودي الذي استهدف شحنة عسكرية في ميناء المكلا منذ عدة أيام، وما تبعه من اتهام سعودي علني للإمارات بدعم المجلس الانتقالي الجنوبي، والمطالبة بخروج الإمارات من اليمن ووقف أي دعم عسكري خارج إطار الحكومة الشرعية.


وجاء في أعقاب ذلك إعلان المجلس الانتقالي عن “مرحلة انتقالية” وإصدر المجلس ما سماه “إعلاناً دستورياً لدولة الجنوب العربي”، في خطوة تمثل خروجاً صريحاً عن مسار التفاهمات السابقة، ورفعت سقف التحدي السياسي والأمني إلى مستوى غير مسبوق.


وفي هذا الإطار، وجهت السعودية الدعوة إلى حوار جنوبي شامل، لا بوصفها مبادرة سياسية اعتيادية، بل كجزء من حزمة إجراءات تهدف إلى احتواء مسار بدأ يتجاوز حدود الإدارة السياسية، ويتجه نحو فرض واقع سيادي جديد في جنوب اليمن.


التحول في السلوك السعودي


يمكن توصيف التحول في الموقف السعودي الراهن بوصفه انتقالاً من استراتيجية إدارة التناقضات إلى استراتيجية إعادة فرض القواعد. فعلى مدى سنوات ومنذ بدء التحالف العربي معركته في اليمن، قبلت الرياض بوجود نفوذ إماراتي واسع في الجنوب، وتعاملت مع المجلس الانتقالي كفاعل محلي مزعج لكنه قابل للاحتواء.


لكن وبحسب السعودية فإن العمليات الأخيرة والدعم غير المبرر للمجلس الإنتقالي والتحركات العسكرية غير المنسقة في حضرموت والمكلا، أعاد تعريف التهديد من كونه خلافاً سياسياً إلى كونه اختلالاً في معادلة الأمن الإقليمي بالنسبة للسعودية.


فجاء قصف المكلا كنتيجة ومثال على حدوث انعطاف في المسار السعودي للتعامل مع النفوذ الإماراتي المتزايد جنوبا؛ وحمل دلالة واضحة على أن السعودية باتت ترى في السيطرة على الموانئ وخطوط الإمداد الجنوبية مسألة سيادية لا تقبل الشراكة الرمادية، خصوصاً حين تُدار بمعزل عنها.
ومن هنا، فإن الدعوة للحوار لم تعد أداة للتسوية، بل وسيلة لإعادة ترتيب الحقل السياسي الجنوبي تحت سقف سعودي واضح.


تقدير الموقف الجنوبي الداخلي


يفترض المشروع الانفصالي وجود كتلة جنوبية متجانسة خلف المجلس الانتقالي، إلا أن التطورات الأخيرة كشفت هشاشة هذا الافتراض. فحضرموت، بثقلها الجغرافي والاقتصادي والقبلي، تمثل عقدة استراتيجية أمام أي مشروع دولة جنوبية مركزية. حيث أن مواقف حلف قبائل حضرموت والسلطة المحلية، وتأييدها للدور السعودي، تشير إلى رفض ضمني لتحويل المحافظة إلى ساحة صراع نفوذ أو قاعدة لمشروع انفصال لا يحظى بإجماع محلي.

هذا التباين البنيوي داخل الجنوب يمنح السعودية فرصة استراتيجية لإعادة تفكيك سردية التمثيل الحصري الذي إدعاه المجلس الانتقالي في بيانه الاخير، كما يمنحها فرصة لتحويل القضية الجنوبية من مشروع سيادي إلى ملف سياسي قابل لإعادة التفاوض والتجزئة.


السيناريوهات المحتملة


السيناريو الأول : إعادة الضبط عبر الاحتواء القسري (الراجح)


تنجح السعودية في فرض مسار حواري موسّع يضم مكونات جنوبية متعددة، بما يؤدي إلى تحجيم المجلس الانتقالي وتجميد مشروعه الانفصالي. في هذا السيناريو، تُعاد صياغة القضية الجنوبية في إطار الحكم المحلي الموسع، مع تأجيل أي نقاش سيادي وربما ينتج عنه أن يندمج المجلس الإنتقالي ضمن الإطار السعودي الجديد.


السيناريو الثاني : تآكل داخلي جنوبي (عالي المخاطر)


يفشل الحوار أو يُفرغ من مضمونه، مما يؤدي إلى صدامات داخلية بين قوى جنوبية متنافسة بالإضافة إلى الحكومة الشرعية، وفي ظل انكفاء إماراتي نسبي وتدخل سعودي غير مباشر قد يفتح هذا السيناريو أمام فوضى أمنية طويلة الأمد تزيد من الجرح اليمني وتزعج السعودية.


السيناريو الثالث : فرض أمر واقع انفصالي (احتمال ضعيف)


بأن يقدم المجلس الانتقالي على تفعيل الإعلان الدستوري بالقوة والسير وحيدا في هذا الملف معتمدا على الدعم الإماراتي. إلا أن غياب الغطاء الإقليمي والدولي، وانقسام الجنوب قد يجعلان من هذا السيناريو مكلفا وغير قابل للاستدامة في ظل إنشغال الإمارات بساحات أخرى.


الخلاصة

تشير المعطيات الحالية إلى أن السعودية لا تسعى إلى إنتاج حل نهائي للقضية الجنوبية بقدر ما تهدف إلى منع تشكّيل كيان جنوبي خارج سيطرتها الاستراتيجية مع التأكيد على أن السعودية قد قررت التعامل مع الملفات الرمادية في اليمن. الدعوة للحوار تمثل الأداة السياسية المكملة لاستخدام القوة المحدود، في إطار استراتيجية تهدف إلى إعادة مركز القرار الجنوبي إلى الرياض، وتفكيك أي مشروع سيادي لا ينسجم مع أولوياتها الأمنية والإقليمية.

وعليه، فإن جنوب اليمن يقف أمام مرحلة إعادة تشكيل لا تسوية. مرحلة تُرسم فيها حدود الممكن والممنوع، لا مستقبل الدولة اليمنية. وأي فاعل محلي يتجاهل هذا التحول، يغامر بالانتقال من موقع الشريك الإشكالي إلى موقع الهدف السياسي والأمني.

الوسوم
السعودية الإمارات اليمن
حمزه حسن

مبرمج مصري وسياسي متخصص في التحليل الأمني والاستراتيجي، مهتم بالنشاط الحقوقي ودعم منظمات حقوق الإنسان تقنيا