قراءات ومراجعات

ما بعد "ما بعد السلفية"

ما بعد

منذ ما يقارب العشر سنوات، وأنا أرغب في قراءة كتاب «ما بعد السلفية» لكاتبيه أحمد سالم وعمرو بسيوني –بحسب ترتيب الأسماء على الغلاف– لكني كنت أمتنع عن ذلك؛ إما لأن عدد صفحاته كبير بالنسبة لي، أو لأن وقتي لم يكن يسمح بقراءته في جلسة واحدة أو جلستين كما هي عادتي، فأنا ممن يفقدون الشغف مبكرًا.

ومع استمرار هذه الحالة، قررت أن أتعامل مع الكتاب بشكل مختلف، باعتباره أطروحة فكرية تحليلية وليس كتابًا يحتاج بالضرورة لقراءة فصوله الأولى لمعرفة النتائج. وهذه طريقة قد يبغضها أهل العلم، لكني اعتدتُ على أسلوب يخصني في الكتابة والقراءة والتفكير، لا ألتزم فيه بالقوانين الأكاديمية أو العلمية المتوارثة، وهو بالمناسبة ما سبب لي مشكلة كبيرة في دراستي الجامعية.

وحتى لا أطيل؛ فقد قررتُ تجاوز الفصول التي يشرع فيها الكاتب –سأشير إليهما بضمير المفرد– بسرد تاريخ السلفية ومفهومها وتطورها وما لها وما عليها؛ لأني على علم يقيني بأنني سأخالفه فيما يكتب، مما قد يؤثر على نظرتي اللاحقة للنتائج، والسبب الأول –كما أسلفت– هو الكسل عن قراءة هذا الكم الكبير من الصفحات. لذا، بدأت القراءة من الفصل السادس إلى النهاية بعد تصفح المقدمة وقراءة مسرد المصطلحات، حيث أرى هناك أصل الأطروحة وهدفها وجوهرها.

تجاوزي للفصول الأولى ليس مجرد كسل، بل هو محاولة لحماية عقلي من تشتت الانحياز وهو ما كان سيحدث بالتأكيد في هذا الكتاب؛ فالتفاصيل أحياناً تكون شياطين تمنعنا من رؤية الجوهر، وهذه نتيجة توصلت إليها بعد تجارب خضتها سابقاً جعلتني أدرك أن معرفة ماذا يريد الكاتب أهم من العراك معه في كيف بدأ.

وهذه بعض ملاحظاتي على ما قرأت:

⬅️ السياق الزمني: خلال قراءتي للكتاب، لم أكن أستحضر تاريخ صدوره، ولم أرغب في قطع استرسالي للبحث عنه، لذا استنتجتُ عند وصولي لبعض النقاط أن الكتاب كُتب في مرحلة ما قبل المتغيرات السعودية الأخيرة تجاه السلفية؛ فقد بدا لي متفائلًا قليلًا بحال السلفية هناك. كما أن حديثه عن الشيخ عبد العزيز الطريفي أوحى لي بأنه كُتب قبل اعتقاله، وعلى هذا الأساس تعاملت مع النص، وأثر هذا التعامل سيظهر في الأسطر القادمة.

⬅️ إشكالية الأفول والتشظي: في بداية الفصل السادس، تكلم الكاتب عن أفول السلفية بعد القرن الرابع لحساب الاتجاهات الكلامية، ثم نجاتها من هذا الأفول في زمن ابن تيمية، وبعده في زمن الحركة الوهابية النجدية. لكنه في الفصل ذاته اعتبر أن أهم أسباب الأفول هو التشظي الداخلي (داء التفرق)، بينما استشهد في نفس الصفحة بأن السلفية في عهد الإمام أحمد كانت تفخر بتطابق أقوال علمائها. هنا فكرت: كيف أفلت السلفية بعد عهد الإمام أحمد إذا كانت غير متشظية داخليًا؟ قد تغير قراءة الفصول الأولى نظرتي هذه، إلا أنني أرى أن الاستشهاد بـ «التطابق» لم يكن مفيدًا هنا في تقرير مسألة التشظي التي لا ننكرها.

⬅️ الفقر الرمزي: انتقل الكاتب بعد ذلك لمسألة «الرمز» في تبويب «الفقر الرمزي». وبرأيي، هذا التبويب هو الأهم في هذا الفصل – إذ أنه في الحركة السلفية إرتبط الدعم المادي والإجتماعي والحكومي على وجود الرمز وهو ما أوضحه الكاتب، والأجمل والأوضح؛ لأن التشظي الحاصل سببه غياب الرموز، سواء بموتهم أو بضعف حضورهم نتيجة عوامل محيطة. لذا رأيت أن غياب الرمز هو «الأصل» الذي نبتت منه بقية الأسباب، وحتى حين رجعت للفهرس وجدت أنني ما كنت لأغير ترتيب هذه التبويبة.

⬅️ تغييب الرموز: عند قراءتي لما سطره الكاتب عن الشيخ عبد العزيز الطريفي، بدأ عقلي يربط لاإراديًا بين مسألة «التغييب المقصود» للرموز التي حدثت خلال السنوات العشر الأخيرة؛ وفي رأيي المتاوضع فإني أظن أنه بمجرد أن يمتلك أحدهم بعض مقومات التأثير مما قد يجعله يتحول إلى رمز يتم تغييبه بفعل فاعل وبشكل سريع مع محاولة القضاء على إرثه المنتشر والحد منه – حتى أنني ظننت أن بعض أجهزة الدول تضع هذا الكتاب في أدراجها كمرجع.

⬅️ الدعم المالي: في الفصل المعنون بـ «قنوات الدعم وعوائق التدفق»، أرى أن الكاتب وفق في شرح هذه المسألة التي تحتاج بحد ذاتها لكتاب منفصل، خصوصًا في هذا التوقيت. وبعد مرور أكثر من 10 سنوات على هذه الأطروحة يبدو لي أن بعض الجماعات السلفية قد وعت هذا الدرس، وبدأت بالفعل في تأسيس أنظمة اقتصادية ضخمة لحل أزمة التدفق المالي وهو واضح وجلي في المدرسة السلفية الإسكندرية.

⬅️ مفهوم القنطرة: في فصل «ما بعد السلفية»، أرى أن التفاصيل الواردة فيه ساهم الزمن في تقويتها وتأييدها. وقد أعجبني قول الكاتب: "ويمكن القول إن القنطرة التاريخية التي عبر عليها تيار التنوير منذ محمد عبده ورشيد رضا حتى الآن هم الإخوان المسلمون"، وكذلك الإشارة إلى أن رشيد رضا كان القنطرة للمنتقلين من التيار الوهابي إلى الإصلاحي. وجاء إعجابي بهذا الربط لكوني عندما أفكر في «طبقات السلفية» أجد أن أكثر ما يشغلني عند التفكير في هذه المسألة هو «الربط» بين تلك الطبقات، وهو ما سماه الكاتب «القنطرة»؛ حيث توجد طبقات يمكن وصفها حرفيًا بأنها جسر يُعبر من خلاله من تيار إلى آخر دون أن تنتمي هي لأي منهما ودون أن تتصادم معهما.

⬅️ الاستشراف المستقبلي: رغم مرور عقد واحد فقط على صدور الكتاب، فإن حجم ما تحقق من رؤية الكاتب يعتبر كبيرًا. وهناك صفحة في الكتاب، برأيي لو لم يُكتب غيرها لكفت، وهي التي يتحدث فيها عن «حظ المجتمع» والتنبؤ بصعود تيار «الفجور السياسي».

⬅️ الكاتب: يمكن اعتبار هذه الأطروحة أطروحةَ الدكتوراه للكاتب، والعامل المؤثر في تحوّلِه، سواء في الشكل الظاهري أو فيما يبدو من خلال كتاباته لاحقا، إلى حالةٍ سلفيةٍ "ما بعد السلفية". ويمكن القول إن الكاتب آمن بشكلٍ كبيرٍ بأطروحته، والتي بالمناسبة لا أختلف معه بالكلية في النتائج التي توصل إليها، وفي الأسباب التي أدّت وستؤدي إلى أفول السلفية.

⬅️ المفارقة الختامية: وكدليل على أن استشراف الكاتب كان سابقًا لعصره، حضرني مثال لأحد أشهر من انتقدوا الكتاب عند ظهوره وقد تابعت حينها مقالاته وظهوره الإعلامي، وهو صديق شخصي للكاتب أحمد سالم؛ فعدت وبحثت عنه الآن، فوجدت أنه قد انطبقت عليه رؤية «ما بعد السلفية» تمامًا، فأصبح فعليًا «ما بعد سلفي» بعد أن كان من أشهر منتقدي الأطروحة.

⬅️ مسألة تقنية ونفسية : أكثر ما ازعجني خلال قراءة الكتاب كانت مسألة إضافة الألف الخنجرية على الياء لتمييزها عن الياء الحقيقة، واضافتها سببت برأيي ازعاجا بصريا، حيث اعتادت العين عند قراءة الكتب على الأرقام التي تدل على ملاحظات أو مراجع، والألف الخنجرية تتشابه مع رقم واحد الهندي مما سبب لي تشتيتا كبيرا عند قراءة الصفحات حيث كنت أنزل للبحث في الهامش عند كل ألف خنجرية بشكل لا إرادي.

ملحوظة : هذه قراءة انتقائية لا تغني عن قراءة الكتاب أو الأطروحة، وأظن أنه قد فاتني الكثير وربما حتى أنه قد أثر على ملاحظاتي – ربما أعود لأقرأ الكتاب مرة أخرى في وقت آخر.

العنوان -عنوان البوست - لا يقصد به الما بعدية المقصودة في الكتاب وإنما هو خطاف hook لجذب القارىء.

حمزه حسن
حمزه حسن

الكاتب

مبرمج مصري وسياسي متخصص في التحليل الأمني والاستراتيجي، مهتم بالنشاط الحقوقي ودعم منظمات حقوق الإنسان تقنيا

النشرة البريدية

اشترك لتصلك أحدث المقالات والأخبار